آخر الأخبارأخبارأخبار العالم

الإمبراطورية الإغريقية الرومانية – مسارات – كتب


مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور بول فيني أستاذ التاريخ والحضارة الرومانية في الكوليج دو فرانس: أي في أعلى جامعة فرنسية، أعلى من السوربون ذاتها. وكان قد ولد في جنوب فرنسا عام 1930 ثم صعد إلى العاصمة باريس لإكمال علومه الجامعية والوصول إلى أعلى المناصب بدءاً من عام 1975.

ومن أشهر كتبه السابقة نذكر كيف نكتب التاريخ: ميشيل فوكو يثوّر كتابة التاريخ، ثم الخبز والسيرك (أو الملعب الشعبي)، ثم هل آمن الإغريق فعلا بأساطيرهم، هل صدقوها؟ ثم رينيه شار في قصائده، وهو أكبر دراسة نقدية وتحليلية عن شاعر فرنسا في القرن العشرين: رينيه شار. وكشف بول فيني بذلك عن جانب آخر من شخصيته ما كنا نعرفه: أي جانب الناقد الأدبي من أعلى طراز.

وفي هذا الكتاب الجديد الضخم يقدم البروفيسور بول فيني مرجعاً مهماً لكل الطلبة والباحثين عن الإمبراطورية الإغريقية ـ الرومانية، ومنذ البداية يقول بما معناه:إن الفصل بين قسم اللغة الإغريقية وقسم اللغة اللاتينية في الجامعة الفرنسية أدى إلى شيوع الوهم التالي وهو: وجود تمايز أو حتى تضاد بين كلتا الثقافتين أو الحضارتين، أي حضارة أثينا وحضارة روما.

ولكن هذا غير صحيح على الإطلاق. فما ندعوه بالإمبراطورية الرومانية لم تكن فقط رومانية وإنما كانت في الحقيقة إغريقية ـ رومانية. صحيح أن اللغة الشائعة في أوروبا الغربية كانت اللاتينية أثناء سيطرة الإمبراطورية الرومانية على العالم. ولكن اللغة الشائعة في حوض المتوسط الشرقي كانت هي اليونانية في ظل هذه الإمبراطورية بالذات. وقل الأمر ذاته عن الشرق الأوسط حيث كانوا يتحدثون ويكتبون باليونانية.

يضاف إلى ذلك أن الثقافة المادية والمعنوية أو الفكرية التي كانت تتبناها روما هي في الواقع ناتجة عن استيعاب الثقافة اليونانية التي كانت منتشرة من أفغانستان إلى المغرب الأقصى وما بينهما. وأخيرا فإن هذه الإمبراطورية كانت إغريقية ـ رومانية بمعنى ثالث ألا وهو: أن ثقافتها كانت إغريقية وسلطتها السياسية رومانية. فروما المنتصرة تبنّت ثقافة المهزوم: أي أثينا.

ثم يردف البروفيسور بول فيني قائلاً: في ذلك الوقت كانت الحضارة العالمية هي الحضارة اليونانية التي شهدت ظهور سقراط وأفلاطون وأرسطو وكبار الشعراء والمسرحيين والمؤرخين الإغريق. وبالتالي فالغالب، أي الرومان، تبنوا ثقافة المغلوب أي اليونان. وهذا يعني أن الرومان كانوا شعبا بلا ثقافة، شعبا يتبنى ثقافة شعب آخر. والرومان هم الذين نشروا الثقافة اليونانية في أوروبا الغربية عن طريق اللغة اللاتينية. وكان ذلك طيلة القرنين السابقين على الميلاد.

وهذا يعني أن الغرب المسيحي اللاتيني كان إغريقياً في ثقافته وحضارته تماماً مثلما أن اليابان الحالية هي بلد شرقي جغرافياً ولكنها غربية حضارياً من حيث أنها تتبنى مبادئ حقوق الإنسان، والديمقراطية، والحواسب الإلكترونية، وجائزة نوبل، وسيمفونيات موزار وبيتهوفن. والواقع أن الثقافة اليونانية كانت تشكل الجزء الوحيد من الإمبراطورية الرومانية الذي كان مشتركاً بين كل أجزائها بما فيها إيطاليا، وأوروبا، وإفريقيا، ومصر، الخ.

ولكن بما أن اليابانيين المستغربين لا يزالون يعتبرون أنفسهم يابانيين فإن الرومانيين المفعمين بالثقافة الإغريقية ظلوا يعتبرون أنفسهم رومانيين بالدرجة الأولى! نقول ذلك ونحن نعلم أن هذه الإمبراطورية لم تكن تمد هيمنتها على إيطاليا الرومانية فقط، وإنما على مساحات شاسعة واسعة من حوض البحر الأبيض المتوسط وما وراءه.

ثم يردف البروفيسور بول فيني قائلاً: لقد هيمنت الإمبراطورية الرومانية أثناء الخمسمئة سنة الأولى من تقويمنا الميلادي على مساحة من الأرض تبلغ خمسة ملايين كيلومتر مربع، أي عشر مرات مساحة بلد كبير كفرنسا. وكانت هذه المساحة الشاسعة الواسعة تشمل بلدانا عديدة أصبحت الآن ثلاثين بلدا. وكانت أكثر مناطقها غنى وخصوبة هي سوريا الحالية، وتونس، وتركيا. ويمكن القول بأن حدود الإمبراطورية الرومانية كانت تمتد من اسكتلندا وحتى حدود

نهر الفرات!ويمكن أن نقول أيضا ان القاعدة الحضارية التي ترتكز عليها أوروبا والغرب كله هي هذا التثاقف الذي ولّد الإمبراطورية الإغريقية ـ الرومانية بالإضافة إلى الحضارة المسيحية التي تلتها أو جاءت على أنقاضها. هذه هي أعمق طبقة حضارية بالنسبة للغرب الأوروبي ـ الأميركي.

وهي أعمق طبقة حضارية بالنسبة للعالم العربي الإسلامي بشرط أن نضع الإسلام محل المسيحية. ولكن هناك حضارات أخرى سبقت الحضارة اليونانية ـ الرومانية كالحضارة الفينيقية، والحضارة الفرعونية، وحضارة وادي الرافدين التي تعتبر أقدم وأعرق حضارة في التاريخ.

ثم يطرح المؤلف أسئلة عديدة من النوع التالي: لماذا لم يكن الأباطرة الرومان يموتون في فراشهم إلا نادرا؟ لماذا كانوا يقتلون في ساحات الوغى أو يغتالون؟ لماذا كان الكثير من القياصرة المجانين؟ هل كان الشعب يعتقد أن الإمبراطور هو إله بالفعل؟ هل كان يتجرأ على شتمه أو لعنه مثلا؟ هل كان الرومان يضعون الطعام على قبر الميت لكي يأكل؟ثم ينبغي أن نطرح أسئلة أخرى من النوع التالي: لماذا ترك الأباطرة الرومان القبائل الجرمانية تغزو الغرب كله؟

هل كانت الملكة الشرقية زنوبيا تريد الانفصال عن روما أم تريد أن تصبح هي ذاتها إمبراطورة؟ وهل كانت التماثيل التي نجدها في تدمر بسوريا تفتح العقل على المطلق، مطلق الله؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير هي التي يحاول هذا الكتاب الإجابة عنها. من أهم فصول هذا الكتاب الضخم نذكر ما يلي: ما هو الإمبراطور الروماني؟ كيف كان؟ ما هي صلاحياته؟

أما الفصل العاشر من الكتاب فيتحدث عن الموضوع الممتع التالي: المشاكل الدينية لوثني ذكي يدعى: بلوتارك. ويتحدث الفصل الحادي عشر من الكتاب عن: الحب الولهان، والتمام أو الكمال، والروح المادية في النزعة الطوباوية الرواقية ولدى القديس أوغسطينوس أيضاً. وأما الفصل الثاني عشر فيتحدث عن احتلال روما، أو حتى اجتياحها من قبل القبائل الجرمانية عام 410 ميلادية والغزوات الكبرى.

هذا في حين أن الفصل الثالث عشر والأخير يطرح السؤال التالي ويحاول الإجابة عنه: لماذا انتهى الفن الإغريقي ـ الروماني؟ هذه هي الهيكلة العامة للكتاب. والآن لندخل في التفاصيل ولنطرح مع المؤلف هذا السؤال المهم: لماذا رفض سقراط أن يهرب وينجو بنفسه؟وجواب المؤلف هو التالي: كان بإمكانه أن يهرب لأنه أدين بشكل ظالم، تعسفي. وكان أصدقاؤه قد حضروا له كل إمكانيات الهرب والنجاة.

ولكنه فضل البقاء في السجن وتجرع السم الزعاف. والسبب هو أنه كان يريد أن يصبح شهيد الحقيقة أو مثلا أعلى على الاستشهاد. فقد ضحى بنفسه من أجل آرائه وحقيقته. وأصبح بالتالي قدوة للأجيال التالية على مدار التاريخ: أي حتى اليوم. يضاف إلى ذلك أن سقراط ما كان يريد أن ينتهك قوانين بلاده حتى ولو كانت جائرة فيما يخصه.

فالقوانين إذا لم تحترم فلتت الأمور في الدولة وشاعت الفوضى وانهار كل شيء. وهذا ما لم يكن سقراط يريده بأي شكل. ولذلك فضل أن يموت إرضاء لضميره ولكي يصبح منارة للبشرية. وهذا ما حصل. فسقراط بعد موته البطولي تحول إلى أسطورة لا تزال تدهشنا حتى الآن. أما الفصل المخصص لزنوبيا ملكة تدمر في سوريا فهو من أجمل الفصول وأكثرها إمتاعا. كما أنه طويل جدا ويكاد يبلغ المئة صفحة. وبالتالي فهو يشكل كتابا مستقلا بذاته. وفيه يقول المؤلف رابطا الماضي بالحاضر: في وقتنا الراهن يمكن للمرء أن يذهب من باريس إلى دمشق بالطائرة خلال ثلاث ساعات.

وبعدئذ أخذ السيارة ويتجه نحو تدمر التي تبعد مسافة مئتي كيلومتر عن دمشق. والطريق المعاصر هو ذاته الطريق القديم الذي كان متبعا أيام الرومان، أو قل أنه يمشي على آثاره وخطاه. وبعد أربع ساعات من السير في طريق وعر وصحراء قاحلة يصل المرء إلى تدمر فيشعر بالدهشة والسعادة لأن أشجار النخيل الخضراء والأعمدة البيضاء للآثار الرومانية تتعاكس مع جفاف الصحراء.

وعندا يصل السياح إلى هناك لا يعثرون على الجواهر الضائعة لتدمر القديمة، هذه الجواهر والحلي التي طالما حلم بها شارل بودلير، وإنما يجدون أمامهم مدينة حديثة بكل مطاعمها وفنادقها، هذا بالإضافة إلى أشياء أخرى عديدة. وأما أنا فرحت أقارن بين تدمر القديمة كما درستها من خلال علم التاريخ والآثار وتدمر الجديدة لكي أعرف ماذا تغير وماذا لم يتغير في عاصمة الملكة زنوبيا. وكانت متعة ما بعدها متعة.

* الكتاب:الإمبراطورية الإغريقية ـ الرومانية

* إشراف: بول فيني

* الناشر:سوي ـ باريس 2005

*الصفحات: 875 صفحة من القطع الكبير

L’Empire gréco-romain

Paul Veyne

Seuil-Paris 2005

P.875

طباعة
Email





الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق